الدان
   
-

الدان

 

ما هو الدان ؟ : الدان هو قالب إيقاعي موسيقي يتركب من ترديد كلمة (دان ) ممزوجة بنغم صوتي جميل يعتمد على الدندنة و الهمهمة وإخراج الغنة متناسبة مع تقاطيع الألحان والأوزان التي يصاغ بها هذا القالب والتي تسمى ( أصوات الدان ) ويقال للشعر الذي يوافق هذه القوالب إيقاعا و وزنا ولحنا ( شعر الدان ) وان تعددت قوافيه واختلفت حروف رويه فصوت الدان هو الضابط والميزان لشعر الدان تماما مثلما أن بحور الشعر وتفعيلاتها هي الضابط والميزان للشعر العربي الفصيح .
ظهور الدان : يرجح ظهور الدان في حضرموت قبل القرن العاشر الهجري بكثير إذ إن أقدم ما نقل إلينا من شعر الدان كان من تلك الفترة وخاصة في شعر الفقيه المتصوف الشيخ عمر بامخرمة ( الذي عاش فترة من حياته في هينن والمتوفى بسيؤن سنة 952 هـ ) ومن شعره :
دان يا مطربه فإني على دانش اطرب
سويلمه دان فـان القلب للدان دان
دان يا مطربه فانه مدامي وكاسي
كما جاء في شعر الشيخ أبي بكر بن سالم المتوفى سنة 992 هـ قوله :
يا أكحل العين حي الدان ليلة سمرنا
نكش الدان من مغنى سليمى ألف معنى
ولا شك أن وجود الدان في تلك الفترة بهذه الغزارة وهذا الاهتمام يدل على وجوده وانتشاره قبل ذلك بكثير وربما يكون قد مر بمراحل تطورت فيها ألحانه وتراكيبه وصوره حتى وصلت إلينا بها الشكل البديع .
أنواع الدان :
 من حيث أماكن? شيوعه وانتشاره فهناك نوعان :
1. الدان الحدري : وهو السائد في سيؤن والغرفة ومدودة وما جاورها شرقا من المناطق ويمتاز بتناغم مقاطعه وتعددها وليونة الكلمات والتفاعيل .
2. الدان المعلوي : وهو السائد في مناطق الكسر والوديان العلياء غرب حضرموت ويمتاز بسرعة إيقاعاته وقصر مقاطعه مع استخدام بعض الآلات المصاحبة له .
 من حيث تركيب مقاطعه وعدد التفاعيل ذهب الأستاذ المرحوم محمد عبدالقادر? بامطرف في كتابه ( الميزان ) لتبيان وضبط بحور الشعر الشعبي ( وشعر الدان جزء منه ) إلى تسمية بحور الشعر الشعبي حسب عدد ( التفعيلات ) التي يتكون منها البيت فذكر منها المثنى والمثلوث والمربوع و أوصلها إلى البحر الأربعتعشري الذي يتكون من شطرين في كل شطر سبع تفعيلات وهو نادر ثم ذكر البحور المتداخلة والمتكونة من أشطر مختلفة مثل:( مخموس + مربوع + مسدوس ) ومثال على ذلك قول الشاعر مستور حمادي ( ص 42 من الميزان ) :
- قال الفتى مستور نومي من عيوني زال يا خلي ............................. ( مخموس )
مستفعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلن فعلن
- من يوم شفت الــجعد ذي مكـثوب مربط بالحزامه ............................ ( مربوع )
مستفعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن
- والرجل ما سارت ودلوني عيوني بآاستقل لو عاد في البراد فنجان ..... ( مسدوس )
مستفعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتان
وفي اعتقادي أن هذا التقسيم متكلف جدا ولا ينطبق تماما إلا على القصائد ذات الأبيات المتساوية الأشطر أما شعر الدان فليست أصواته في الغالب متساوية الأشطر بل يغلب عليها التعدد و التنوع .
 من حيث طبيعة الصوت وخصائصه وميزة إيقاعاته المتأثرة بالبيئة التي? يتداول فيها ينقسم الدان إلى ثلاثة أنواع حضرمية هي :
1. الريّض : هو ذو المقاطع الطويلة وهو الرباعي والخماسي وما بعده..سمي ريضاً لهدوء أنغامه وعدم سرعة اندراجها عند الغناء والطرب ولطرب الإبل (الحدا) عند سجع الإبل بالمغنى بالدان فيريض الجمل ويسترسل ويمد خطاه ويطمئن ويسترخي ...ويكثر الريض في حضرموت بل يكاد ان يكون منبعه وأصله وازدهاره المنطقة المحيطة بسيئون..
2. الحيقي : الحيق في لهجة الحضارم (السهل) والحيق هم سكان السهول الساحلية (والحقه ) كما جاء في القاموس هي الأرض المستديره أو المطمئنة ... ويليهم (النيد)أي النجد وهم سكان الجول والهضبة..والدان الحيقي هو ذو المقاطع الثنائية والثلاثية والرباعية السريعة الحركة والإندراج وسمي بالحيق لأنه يأتي غالبا من أهل الحيق ثم ينتقل إلى سكان الجبال ثم إلى الوديان في حضرموت..ويزدهر في وادي دوعن ووادي العين..
3. الهبيش : فهو ذو المقاطع الثنائية غالبا..غير انه أسرع إيقاع وحركة من الحيقي ويكثر لدى البادية ويستعمل في (الشرح) وفي رقصة (الهبيش) ألمعروفة في بادية حضرموت وهي نوع من الرقص يجتمع الرجال والنساء فيها يصفق الكف بالكف ويقفون في دائرة بينما يكون أكثر من أثنين وقد تصاحبهم إمرأة في الرقص في وسط الدائرة..والهبيش في اللغة العربية : الجمع والكسب وهبش الرجل : حلب بالكف كلها وبهش القوم : تجمعوا...وللدان في الهبيش الحان متنوعة جميله وكل لحن يطلق عليه الصوت .
 من حيث عدد الأشطر التي يتكون منها كل صوت هناك أصوات دان? متنوعة ومنها:
1. الصوت الثنائي أو( المثنى ) مثل :
ريت من حب حد يلقيه راعي(1) ** عالكبد ما يفكه ليل ونهار(2)
2. الصوت الثلاثي أو ( المثلوث ) مثل :
ولا لي قلب ذاكر(1) في الدنيا ولا في الفلس فاكر(2)
ولا فكري بشي ماغير فكري في الحسان الحور(3)
3. الصوت الرباعي أو ( المربوع ) مثل :
وسعيد بن مرزوق غلاّ الشيد شله للفوالق(1)
والشيد قالوا عس في لسواق(2)
كله من الشرغات شي وافق وشي ما با يوافق(3)
والحاصل ان الحركه عند آل مرزوق(4)
4. الصوت الخماسي أو ( المخموس ) مثل :
ردده رده برده(1) مغناك يا باسعيده(2)
من يوم جيته زمان الأنس عندي عاد(3) بك انسنا عاد عيده(4)
والليالي رجعت لنا عيد(5)
5. الصوت السداسي أو ( المسدوس ) مثل :
حيا ليالي جميله(1) مرت بسفح الجبل(2)
مثنات بحر الطويله(3) القرن وحيوط السحيل(4)
والحوطه المستطيله(5) فيها علي حبشي وكم فرع اصيل(6)
6. وهناك أصوات أخرى وكلما كانت أكبر من هذه كانت محدودة التداول في سمرات الدان و لايتقنها إلا المجيدون من الشعراء .
طبيعة جلسة الدان :
ترتكز جلسة الدان على وجود مغني بارع شجي الصوت حاذق بأصوات الدان المختلفة متقن في أدائها يجلس في صدر المجلس محتبيا ويفتتح الجلسة بالدندنة على صوت من أصوات الدان المتوارثة مكرراً ذلك ومستثيرا لشاعرية الشعراء المتواجدين حوله ليبدأ أحدهم ويكون دائما أحذقهم في ربط الصوت بأبيات جديدة تناسب الحال والمقام ويتبعه بقية الشعراء كل يدلي بدلوه ملتزمين بنفس القافية والروي التي بدأ بها الشاعر الأول مع ضرورة أن يغني المغني كل مقطع يقوله الشعراء مستعينا بملقن يجلس جواره ويعيد عليه أبيات الشعراء بعد أن يكتبها وذلك في هدوء تام وشاعرية مطلقة لا يعكره تصفيق أو هتاف أو غير ذلك إذ أن الحضور في هذه الجلسة يجب أن يكون منتقى ومميز من أهل الذوق والإحساس المرهف فيسود بينهم الوقار و الإنصات العميق أشبه ذلك بمجالس السماع الصوفي الذي يرقى بالمشاعر والأحاسيس إلى أوج علاها وإذا رأى الحاضرون أن القوافي بدأت تتكرر يقوم المغني باختيار صوت جديد ويبدأ شاعر بالفصل عليه بأبيات جديدة في مقاطعها و قوافيها يجاريه فيها الشعراء وهكذا تستمر الجلسة بأكثر من فصل حتى تنتهي بعضها مع بزوغ الفجر فيكون ختامها بمقطع يتضمن ذكر النبي المختار والصلاة والسلام عليه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم .


 




هل تؤيد فكرة انشاء الأقاليم كأحد مخرجات الحوار الوطني ؟




النتيجة