"هدى المقدي" كفيفة صنعت قصة نجاح في الإعلام متجاوزة كل الصعوبات
   
المكلا/موقع محافظة حضرموت/حسين باشريف - الثلاثاء 16/يوليو/2019
huda.jpg
كم من انسان يرى بعينيه، ولكن بصيرته لا تجيد مشاهدة الحياة، فأن تكون مؤثراً وناجحاً، لا بد أن ترى ببصيرتك، قبل أن ترى ببصرك، هذا هو حال "هدى عمر المقدي" (27عام) التي وبالرغم من فقدانها للبصر استطاعت أن تنجح في الحياة بإصرار وتحدي.

تنحدر "هدى المقدي" من منطقة "الديس الشرقية" بمحافظة حضرموت (شرقي اليمن) منذ طفولتها وهي "فاقدة للبصر"، وكانت لا ترى نفسها مختلفة عن البقية، بل عكس ذلك تماماً، توقعت أن كل البشر يعيشون بهذا الحال، فهي تلهو وتلعب وتمارس حياتها بشكل طبيعي مع الأطفال ولا تكترث لكونها لا ترى شيء.
 


غير أن أسئلة كثيرة كانت تراودها أحياناً، ماذا حلّ بي؟ لماذا لم أبصر؟! لكن مع مرور الوقت والأيام، عندما بلغ عمرها سبع سنوات، صارحتها والدتها بأنها كفيفة، ولا تقدر أن ترى كبقية البشر، تقول هدى لـ"يمن شباب نت"، "هذا الخبر نزل عليّ كالصاعقة، لم أقدر اتحمل، بكيت وبكيت ولكن دون فائدة، لم أتقبل هذا الشيء في البداية، لكنه قضى الله وقدره فوق كل شيء، ومع الأيام تقبلت هذا الوضع".
 
صعوبات في الحياة:
 
المجتمع جعل من "هدى المقدي" تعيش حالة من اليأس، كان يعاملها باختلاف عن بقية البشر وينظر إليها بدونية هكذا توصف حالها، وتضيف المقدي وهي تتحدث لـ"يمن شباب نت" "لم يتقبلني المجتمع، فتعاملهم لي ليس بشكل طبيعي فيشعرني ذلك بالملل، ويتعامل معيّ الناس بنفور واستصغار وانتقاص، وهو ما سبب لي ازعاج دائماً".
 
وأشارت "لكن بحمد الله بإصراري وطموحي، جعلني أفرض نفسي على المجتمع، وجعلت الناس يتقبلونني".


تقول "هدى المقدي"، لـ"يمن شباب نت"، "هناك صعوبات كثيرة واجهتني في الحياة، رغم فقداني للبصر لكن تخطيت ذلك كله بنجاح، حيث كانت صديقاتي ترفض أخذي للمدرسة وكانت أمي وجدتي وخالتي يتناوبون للذهاب بي إلى المدرسة".
 
وتواصل حديثها وتقول "أمي تذاكر لي دروسي وتكتب واجباتي، أما عن طريقة عمل الاختبارات في المدرسة لها فتقول كانت بشكل شفهي، فكنت أدرس مع المبصرين، لم ألتحق بمدرسة خاصة بالمكفوفين، بل فرضت نفسي على المجتمع، فإصراري على الدراسة، جعلني اتغلب على جميع الصعوبات والمعوقات".
 


وعن مواقفها الصعبة في المدرسة تقول: "كعادتي ذات يوم أردت أن أرجع من المدرسة عند انتهاء الدوام، لكن لم أجد من يساعدني ويأخذ بيدي، فجلست وتعبت اترقب ولكن دون فائدة، حينها انهمرت عيناي بالبكاء وعشت في انكسار وذل" وتضيف: "كنت أشارك بالإذاعة المدرسية من سنة أولى ابتدائي، لم يتقبلونني بسهولة، ولكنني فرضت نفسي بالقوة".
 



طموح لا يتوقف:



بعد إكمال "هدى المقدي" الدراسة في المرحلة الأساسية والثانوية العامة التحقت بقسم "الصحافة والإعلام" في كلية الآداب بجامعة حضرموت وهو التخصص الذي كنت تحلم فيه منذ الصغر، وقالت "اختلف التعامل بشكل كبير لأن الجامعة تجمع الطلاب والطالبات من شتى القرى والمدن، فكنت أسجل المقرر عن طريق أشرطة الكاسيت، وكنت اواجه صعوبة في أن أجد زميل يسجل لي المحاضرة فكلهم يتهربون مني".
 
ولفتت أن زملائها يتحصلون على دورات علمية وعملية بالجامعة، لكن هي لم تكن محظوظة في هذا الخصوص، كونها كفيفة، موضحةً "أن نظرة المجتمع لها قاصرة، ولم تعطيها حقوقها بشكل كامل، فكنت أطمح وأريد أن أدخل تخصص "إذاعة وتلفزيون" لكن في حضرموت، لم يكن موجوداً هذا القسم وإنما دراسة عامة فقط.
 


وتصف إكمالها المرحلة الجامعة وتقول: "أكملت الجامعة بحلوها ومرها، وفي حفل التخرج نجحت في تقديم كلمة الخريجين، أدمعتُ عيون الحاضرين بما قلته، وصفقوا لي بحرارة كبيرة، وبعدها جاءتني وعود بحصولي على منحة ووظيفة، كلها ذهبت في مهب الريح وباءت بالفشل".



مسيرتها الإذاعية:

تقول المقدي لـ"يمن شباب نت"، "بعد إكمالي المرحلة الجامعية قمت بطرق جميع الأبواب وذهبت أبحث عن فرص تدريبية في إذاعات كثيرة، لكن محاولاتي كانت فاشلة، حينها دخل في نفسي شعور بالإحباط واليأس، لأن المجتمع لم يتقبلني".
 

شعرت "هدى" باليأس من البحث الطويل لكنها حصلت على فرصة بإذاعة "سلامتك" – وهي إذاعة صحية ومجتمعية في حضرموت- وبدأت بإعداد وتقديم برنامج تحت عنوان "أنا وإعاقتي"، تقوم باستضافة اشخاص من ذوي الإعاقة بشكل عام ومناصريهم واصفةً العمل بأنه "ممتع جداً مع الطاقم".
 
وقالت "لا يوجد فرق بيني وبين المبصرين، بالعكس أحس أن الكفيف يتفوق على المبصر، ولا يوجد لدي إحساس أني معاقة ولا ينقصني شيء فانا أمارس حياتي بشكل طبيعي أطبخ وأتناول وجبات الأكل اليومية، وأختار ملابسي، وأحط الميك أب".
 


وتحقق هدى التواصل مع الآخرين عبر برامج التواصل الاجتماعي، بمختلف أنواعها بشكل طبيعي، موضحةً أن لديها ناطق صوتي بهاتفها المحمول (voiceover) تستخدم عبره كافة وسائل التواصل الاجتماعي.
 
وتقول "هدى" أن المحفز والمشجع لها الذي أوصلها للنجاح هو أولاً إصرارها وعزيمتها، وعدم الرضوخ والاستسلام للواقع، بالإضافة إلى أهلها وأيضا مديرها في الإذاعة "صلاح العماري" المشجع الأول لها بالوسط الاعلامي، مضيفة "لن أنسى جميلهم ووقفتهم معها".
 
مصدر فخر لعائلتها:
 
والد هدى "عمر المقدي" فخور بابنته بشكل كبير ويعتبرها "المنحة والهدية الإلهية التي أعطاها الله له" ويمارس دوره في مساعدتها بدون ملل وقال "لن نتوقف عن مساعدتها حتى آخر نفس، ونساندها ونقدم لها الدعم النفسي والمعنوي ولا نعتبرها كفيفة".


وأضاف في حديث لـ"يمن شباب نت" كوني ولي أمر لها، قمت بمتابعة حالتها أولاً بأول، وعالجتها في دولة العرق والأردن، وأجرينا لها عملية، ولكن دون جدوى، فسعينا جاهدين بأن نكون بمثابة النور المكمل لها، وقال بعاطفة الأب الجياشة "لو كان بوسعنا لأعطيناها أعيننا".
 
من جانبه قال مدير إذاعة سلامتك صلاح العماري "تعتبر الزميلة هدى كانت بالفعل محل الثقة والابداع، حين التحقت فنجحت في تسجيل 50 حلقة من برنامجها الذي يلامس فئة ذو الاحتياجات الخاصة، فكانت تمثل جسر التواصل بين المستمعين وهذه الفئة المهمة في المجتمع، تنقل معاناتهم وإبداعاتهم".
 
وأضاف في حديث لـ"يمن شباب نت" اتجهت الان هدى نحو تجربة أخرى وبرنامج آخر مباشر لها مع الزميل أيضاً كفيف ويقدمون ساعة ببث مباشر، يناقشون فيه قضية عامة تهم المجتمع في قالب جميل، ويشارك فيه المستمعون، ويحظى البرنامج بأفضل مشاركة وتفاعل من قبل الجمهور.

 
تحدي وإصرار على التميّز:


تأتي "هدى" بمعية والدها ووالدتها من مديرية الديس الشرقية التي تبعد أكثر من 80 كيلو متر عن مدينة المكلا عاصمة المحافظة، حيث مقر الإذاعة هناك، وتأتي كل يوم أربعاء لتقدم برنامجها ثم تعود إلى بيتها في الديس الشرقية، في اخلاص منقطع النظير.
 
وقال مديرها العماري "ظلت على هذه الحال لأكثر من 5 أعوام مخلصة للإذاعة ووفية ومجتهدة ومحافظة على برنامجها الاسبوعي، لا تغيب أبداً برغم حالتها الخاصة وبعد المسافة، وجعلت جُلّ إخلاصها للبرنامج وللإذاعة التي فتحت لها أبوابها".
 
ويشيد العماري بـ "هدى المقدي" وإبداعها وتميزها بالنشاط والاجتهاد، وحفاظها على الدوام، وعلاقاتها الجميلة مع زملائها في أروقة الاذاعة، مضيفاً "إننا نولي هذه الفئة اهتمام خاص، لأنها تمثل جزء مهم في المجتمع، وإذاعتنا هي الوحيدة التي فتحت لها أبوابها".
 

استطاعت "هدى" أن تتجاوز كل الصعوبات المعقدة التي واجهتها وأثبتت قدرتها على النجاح والتميّز في المهنة التي أحبتها ووجدت ذاتها فيها، وأصبحت صوت مسموع لذوي الاحتياجات الخاصة تشاركهم إبداعهم وهمومهم وتنقلها للجميع، حيث كونت علاقة متميزة مع جمهورها المستمعين ولازالت تمضي نحو مزيد من تحقيق طموحها.




هل تؤيد فكرة انشاء الأقاليم كأحد مخرجات الحوار الوطني ؟




النتيجة